ابن الجوزي

582

كتاب ذم الهوى

فيتجدد من العزم على الغض معنى يسمى اليأس ، وهو دواء حاسم . قال الحكماء : اليأس أحد الراحتين . وقال الشاعر : حاولت أمرا فلما يجر القضاء به * ولا أرى أحدا يعدى على القدر فقد صبرت لأمر اللّه محتسبا * واليأس من أشبه الأشياء بالظفر وليكن لك في هذا الغض عن المشتهى نية تحتسب بها الأجر ، وتكتسب بها الفضل ، وتدخل في جملة من نهى النفس عن الهوى . وانظر في باب ثواب من غض بصره عن الحرام فقد تقدم . فصل : فإن كان تكرار النظر قد نقش صورة المحبوب في القلب نقشا متمكّنا ، وعلامة ذلك امتلاء القلب بالحبيب ، فكأنه يراه حالّا في الصدر ، وكأنه يضمه إليه عند النوم ويحادثه في الخلوة ، فاعلم أن سبب هذا الطمع في نيل المطلوب . وكفى بالطمع مرضا . وقلّ أن يقع الفسق إلا في المطموع فيه . فإن الإنسان لو رأى زوجة الملك فهويها لم يكد قلبه يتعلق بها ، لأجل اليأس من مثلها . فأما من طمع في شيء فإن الطمع يحمله على طلبه ، ويعذبه إن لم يدركه . وقد قال الشاعر : وما النفس إلّا حيث يجعلها الفتى * فإن أطمعت تاقت وإلا تسلّت وقال آخر : فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة * إذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت